محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض . حدثني يونس ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : جعلوه أعضاء كما تعضى الشاة . قال بعضهم : كهانة ، وقال بعضهم : هو سحر ، وقال بعضهم : شعر ، وقال بعضهم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها الآية . جعلوه أعضاء كما تعضى الشاة . فوجه قائلوا هذه المقالة معناه : الذين جعلوا القرآن فرقا مفترقة قوله : عِضِينَ إلى أن واحدها : عضو ، وأن عضين جمعه ، وأنه مأخوذ من قولهم عضيت الشيء تعضية : إذا فرقته ، كما قال رؤبة : وليس دين الله بالمعضى يعني بالمفرق . وكما قال الآخر : وعضى بني عوف فأما عدوهم * فأرضى وأما الغر منهم فغيرا يعني بقوله : " وعضى " : سباهم . وقطعاهم بألسنتهما . وقال آخرون : بل هي جمع عضة ، جمعت عضين ؛ كما جمعت البرة برين ، والعزة عزين . فإذا وجه ذلك إلى هذا التأويل كان أصل الكلام عضهة ، ذهبت هاؤها الأصلية ، كما نقصوا الهاء من الشقة وأصلها شفهة ، ومن الشاة وأصلها شاهة . يدل على أن ذلك الأصل تصغيرهم الشفة : شفيهة ، والشاة : شويهة ، فيردون الهاء التي تسقط في غير حال التصغير إليها في حال التصغير ، يقال منه : عضهت الرجل أعضهه عضها . إذا بهته وقذفته ببهتان . وكأن تأويل من تأول ذلك كذلك : الذين عضهوا القرآن ، فقالوا : هو سحر ، أو هو شعر ، نحو القول الذي ذكرنا . عن قتادة . وقد قال جماعة من أهل التأويل : أنه إنما عنى بالعضه في هذا الموضع ، نسبتهم إياه إلى أنه سحر خاصة دون غيره من معاني الذم ، كما قال الشاعر : للماء من عضاتهن زمزمة يعني : من سحرهن . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : سحرا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : عِضِينَ قال : عضهوه وبهتوه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : كان عكرمة يقول : العضه : السحر بلسان قريش ، تقول للساحرة : إنها العاضهة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : سحرا أعضاء الكتب كلها وقريش ، فرقوا القرآن قالوا : هو سحر . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قوما عضهوا القرآن أنه لهم نذير من عقوبة تنزل بهم بعضهم إياه مثل ما أنزل بالمقتسمين ، وكان عضههم إياه : قذفهموه بالباطل ، وقيلهم أنه شعر وسحر ، وما أشبه ذلك . وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده ، وذلك قوله : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ على صحة ما قلنا ، وإنه إنما عني بقوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ مشركي قومه . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أنه لم يكن في مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض ، بل إنما كان قومه في أمره على أحد معنيين : إما مؤمن بجميعه ، وإما كافر بجميعه . وإذ كان ذلك كذلك ، فالصحيح من القول في معنى قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قول الذين زعموا أنهم عضهوه ، فقال بعضهم : هو سحر ، وقال بعضهم : هو شعر ، وقال بعضهم : هو كهانة ؛ وأما أشبه ذلك